الرئيسية / دين / الإرث الرقمي في ميزان الفقه الإسلامي

الإرث الرقمي في ميزان الفقه الإسلامي

إعداد: عبد الله الثقافي البلنوري الهندي
القضية في الموجز
مع التطور التقني الحديث، ظهرت ممتلكات رقمية ذات قيمة مالية ومعنوية، مثل القنوات الإلكترونية، والحسابات الربحية، والعملات الرقمية، والكتب والبرامج الإلكترونية. ومن هنا برز مفهوم «الإرث الرقمي»، وهو انتقال هذه الحقوق والممتلكات إلى الورثة بعد وفاة صاحبها.
وتُعد هذه القضية من النوازل المعاصرة التي تحتاج إلى تأصيل فقهي يربط بين القواعد الشرعية والواقع التقني، حفظًا للحقوق ومنعًا للنزاعات.
ضرورة البحث في القضية
١) انتشار الرقمنة في مختلف المجالات، وامتلاك كثير من الناس مشاريع إلكترونية تدر أرباحًا معتبرة شرعًا.
٢) حفظ حقوق الورثة، وبيان ما ينتقل إليهم وما لا ينتقل من الحقوق الرقمية.
٣) إبراز مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة النوازل المعاصرة.
٤) تقليل النزاعات المتعلقة بالحسابات الإلكترونية وكلمات المرور والعقود الرقمية بعد الوفاة.
٥) التمييز بين الحقوق المالية القابلة للإرث، والحقوق الشخصية المرتبطة بالخصوصية.
إشارات الفقهاء القدامى
لم يعرف الفقهاء المتقدمون «الإرث الرقمي» بصورته الحالية، لكنهم قرروا قواعد عامة يمكن القياس عليها، منها:
الكلام على الحقوق المعنوية والمنافع وحق الاختصاص.
اعتبار كل ما له قيمة ويُنتفع به مالًا معتبرًا.
انتقال الديون والحقوق المالية إلى الورثة بعد الوفاة.
أحكام الكتب والوثائق والمراسلات، ويقاس عليها الملفات والحسابات الإلكترونية.
القضية تفصيليًا
التركة في الشريعة تشمل كل ما يخلّفه الميت من أموال وحقوق ومنافع، ولا تُقسم إلا بعد تجهيز الميت وسداد ديونه وتنفيذ وصيته في حدود الثلث.
أولًا: الحقوق المالية والممتلكات
وتشمل:
الأعيان والمملوكات كالعقارات والمدخرات والمحافظ الاستثمارية.
الحقوق المرتبطة بالأعيان، كالرهن وحقوق الانتفاع.
الحقوق التعاقدية الناتجة عن العقود والالتزامات المالية.
ثانيًا: حقوق الملكية الفكرية والابتكار
ويجري عليها الإرث في الفقه المعاصر، مثل:
حقوق التأليف والنشر.
براءات الاختراع والبرمجيات والعلامات التجارية ذات القيمة السوقية.
ثالثًا: حقوق الارتفاق والمنافع
وهي الحقوق التابعة للعقار والمحققة للانتفاع به، مثل:
حق المرور والسقي والتعلية.
الحقوق المرتبطة بالبنية التحتية الحديثة، كالكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت.
خلاصة مفهوم التركة
التركة في الإسلام ليست مجرد أموال نقدية، بل تشمل الحقوق المالية والمعنوية والاختصاصات المختلفة. وقد نص ابن حجر الهيتمي على أن التركة تشمل «الحق أو الاختصاص أو المال»، مما يدل على اتساع مفهومها ليشمل الحقوق الحديثة أيضًا.
هل القنوات الإلكترونية والحسابات المربحة تُورَّث؟
أصبحت القنوات الإلكترونية والحسابات الرقمية مصدر دخل ثابت لكثير من الناس، ولذلك ثار التساؤل حول حكم توريثها.
وقد قرر الفقهاء المعاصرون أن كل ما له قيمة مالية معتبرة عرفًا ويجوز الانتفاع به شرعًا يُعد مالًا تجري عليه أحكام الملكية والإرث. وبناءً عليه، فإن القنوات الإلكترونية، والمواقع المربحة، والحسابات التجارية تدخل ضمن التركة؛ لأنها أصول مالية حقيقية تدر أرباحًا مستمرة.
فالقناة التي تحقق أرباحًا من الإعلانات، أو الموقع الذي يدر دخلًا من الاشتراكات والزيارات، أو الصفحة التجارية ذات الجمهور الواسع، كلها حقوق مالية تنتقل إلى الورثة بعد وفاة صاحبها.
وقد توسع مفهوم المال في الفقه ليشمل الحقوق المعنوية والرقمية، كالعلامات التجارية وحقوق النشر والحسابات الإلكترونية ذات القيمة التجارية، وهو ما يعرف اليوم بـ «الإرث الرقمي».
ويستدل لذلك بقول النبي ﷺ:
«ومن ترك مالًا فلورثته».
ضوابط توريث الحسابات الرقمية
هذه المسألة ليست مطلقة، بل تخضع لضوابط، أهمها:
أن يكون المحتوى مباحًا شرعًا، فلا يجوز للورثة الاستمرار في القنوات أو الصفحات المحرمة.
المال الحرام لا يحل للورثة، بل يجب ردّه إلى أصحابه أو التصدق به عند تعذر معرفتهم.
مراعاة العقود والشروط القانونية الخاصة بالمنصات الرقمية ما دامت لا تخالف الشريعة.
الأرباح المستمرة بعد الوفاة تُعد من التركة ما دام أصل الحساب أو القناة مملوكًا للميت.
وقد نص الفقهاء على أن المال الحرام لا يباح بالميراث، وذكر النووي وابن عابدين وغيرهما وجوب التخلص من المال المحرم ورد الحقوق إلى أهلها.
الخاتمة
الحسابات الإلكترونية والقنوات المربحة، إذا كانت مباحة وذات قيمة مالية، تُعد من التركة الشرعية، وتنتقل إلى الورثة كسائر الأموال والحقوق. وهذا يؤكد شمولية الفقه الإسلامي ومرونته في معالجة مستجدات العصر، ومنها قضايا الاقتصاد الرقمي والإرث الإلكتروني. والله أعلم.

شاهد أيضاً

​عشرات الآلاف يرفعون أكفّ الضراعة للسلام العالمي في “جامع الفتوح” بالهند

عبد الله البلنوري الهنديفي مشهدٍ إيماني مهيب، احتشد عشرات الآلاف من المؤمنين في رحاب “جامع …