بقلم: طراد علي بن سرحان الرويس
ما أشدَّ المفارقة في عصرنا الرقمي؛ نجتمع حول مائدة واحدة، بينما تتوزع أرواحنا في عوالم افتراضية لا تعرف حدودًا. أصبحت بيوتنا تضم أفرادًا يجمعهم سقف واحد، لكن كثيرًا منهم يعيش في فضاءات رقمية متوازية، يتواصل فيها مع البعيد، ويغفل أحيانًا عن القريب، ولم يعد هذا المشهد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى تحدٍ حقيقي يفرض على الأسرة العربية إعادة النظر في أساليب التواصل والتربية، حفاظًا على تماسكها وهويتها.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري:
كيف تستطيع الأسرة العربية المحافظة على تماسكها في ظل هذا التحول الرقمي المتسارع؟
وكيف نساعد أبناءنا وشبابنا على الاستفادة من التقنيات الحديثة دون أن يقعوا في آثارها السلبية؟
لا شك أن التحول الرقمي يُعد من أبرز الإنجازات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين؛ فقد فتح آفاقًا واسعة للمعرفة، ويسّر الوصول إلى المعلومات، وأتاح فرصًا غير مسبوقة للتعلم والتواصل والعمل والإبداع.
إلا أن هذه الثورة التقنية صاحبتها تحديات جديدة، إذ أصبحت الأسرة العربية أمام بيئة رقمية تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل أفكار الأبناء وقيمهم وسلوكياتهم.
ويمثل الشباب الفئة الأكثر التصاقًا بهذه البيئة؛ فهم الجيل الذي نشأ في قلب الثورة الرقمية، ويتعامل مع التطبيقات والمنصات الإلكترونية بكفاءة وسرعة لافتتين، غير أن هذه الميزة التقنية لا تعني بالضرورة امتلاكهم الوعي الكافي للتعامل مع جميع ما يواجهونه من محتوى وأفكار، الأمر الذي يجعلهم أكثر حاجة إلى التوجيه الأسري الواعي، لا إلى المنع أو التخويف.
وفي المقابل، تواجه الأسرة تحديًا غير مسبوق؛ فالمسافات النفسية بين أفرادها أصبحت تتسع رغم تقاربهم المكاني، وأصبح الانشغال بالشاشات يؤثر في جودة الحوار اليومي والتفاعل الإنساني، ولم يعد هذا الأمر مقتصرًا على الأبناء، بل امتد في كثير من الأحيان إلى الآباء والأمهات أيضًا، الذين فرضت عليهم ضغوط الحياة أنماطًا جديدة من الانشغال الرقمي.
لقد كانت مائدة الطعام في الماضي مساحة للحوار وتبادل الخبرات والقصص اليومية، أما اليوم فقد أصبحت الهواتف الذكية حاضرة في كثير من البيوت على حساب الحديث الأسري المباشر، فتراجعت لحظات التواصل العفوي، وحلّت محلها متابعة الإشعارات والمنشورات، وهو ما يستدعي إعادة الاعتبار للحوار داخل الأسرة.
ومن أبرز التحديات التي يواجهها الشباب في العصر الرقمي قضية الهوية؛ فكثير منهم يسعى إلى بناء صورة رقمية قد تختلف عن شخصيته الحقيقية، مدفوعًا بالرغبة في الحصول على القبول الاجتماعي أو زيادة عدد المتابعين والإعجابات، حتى أصبحت المؤشرات الرقمية لدى البعض معيارًا للنجاح أو تقدير الذات، وهو أمر قد يؤدي إلى اضطراب في المفاهيم واختلال في ترتيب الأولويات.
كما أن المقارنات المستمرة بما يُعرض عبر منصات التواصل الاجتماعي قد تسهم في زيادة مستويات القلق والإحباط، وربما الاكتئاب لدى بعض الشباب، خاصة عندما تغيب البيئة الأسرية التي توفر الاحتواء والحوار والدعم النفسي، وفي مثل هذه الظروف، قد يلجأ بعضهم إلى حلول غير صحية هربًا من الضغوط النفسية، الأمر الذي يؤكد أهمية وجود أسرة واعية وقريبة من أبنائها.
ومع جسامة هذه التحديات، يبقى دور الأسرة هو الأساس، غير أن هذا الدور يحتاج إلى تطوير ليتناسب مع طبيعة العصر؛ فلم يعد المنع المطلق أو الرقابة الصارمة كافيين، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى تبني مفهوم التربية الرقمية الواعية.
فالتربية الرقمية لا تعني حرمان الأبناء من التكنولوجيا، فذلك لم يعد واقعيًا، وإنما تعني تنمية قدرتهم على استخدامها بصورة آمنة ومسؤولة، وتعليمهم مهارات التفكير النقدي، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل، والمحافظة على الخصوصية الرقمية، وتحقيق التوازن بين العالمين الواقعي والافتراضي.
ولعل من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة العربية اليوم تراجع ثقافة الحوار الحقيقي، فكثير من الآباء ينظرون إلى استخدام الأبناء للتقنية باعتباره مضيعةً للوقت، بينما يرى الأبناء أن أي محاولة لتنظيم استخدامها تمثل تقييدًا لحريتهم، وبين هذين التصورين تضيع فرص التفاهم.
إن الحوار البنّاء يبدأ بالاعتراف بأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أصيلًا من حياة الجيل الجديد، وأن الأبناء قد يمتلكون مهارات تقنية تتجاوز خبرات آبائهم، إلا أن الخبرة الحياتية والقيم والتوجيه تبقى مسؤولية الأسرة، وعندما يشعر الأبناء بأنهم يُستمع إليهم ويُحترم رأيهم، يصبح تقبلهم للنصح والتوجيه أكثر سهولة وتأثيرًا.
ولكي تنجح الأسرة في بناء بيئة رقمية صحية، فإن ذلك يقوم على أربع ركائز أساسية:
أولًا: وضع قواعد واضحة ومتفق عليها لاستخدام التكنولوجيا، بحيث تكون ناتجة عن حوار أسري يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويحدد أوقاتًا مناسبة لاستخدام الأجهزة، مع تخصيص أوقات خالية من الشاشات لتعزيز التواصل الأسري.
ثانيًا: المشاركة الإيجابية في العالم الرقمي للأبناء، من خلال التعرف على اهتماماتهم ومنصاتهم المفضلة، ومشاركتهم بعض الأنشطة الرقمية، بما يعزز الثقة ويقوي جسور الحوار.
ثالثًا: إحياء الأنشطة الواقعية المشتركة، كالرياضة، والقراءة، والرحلات العائلية، والأعمال التطوعية، بما يعيد التوازن بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية.
رابعًا: تنمية التفكير النقدي والوعي الإعلامي، حتى يتمكن الأبناء من التحقق من المعلومات، واكتشاف الأخبار الزائفة، ومقاومة محاولات التضليل والتأثير السلبي التي قد يواجهونها عبر الفضاء الرقمي.
ومع ذلك، فإن مسؤولية بناء مجتمع رقمي واعٍ لا تقع على الأسرة وحدها؛ فالمدارس والجامعات مطالبة بترسيخ مفاهيم التربية الرقمية ومهارات التفكير النقدي، كما أن وسائل الإعلام العربية مدعوة إلى إنتاج محتوى يسهم في رفع الوعي المجتمعي، بينما تؤدي المؤسسات الثقافية والدينية دورًا مهمًا في ترسيخ القيم والأخلاق التي تساعد الأجيال على الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا.
وفي النهاية، فإن التحول الرقمي ليس خيارًا يمكن تجاهله، بل هو واقع يفرض نفسه على المجتمعات كافة، ويبقى التحدي الحقيقي في كيفية توظيفه لخدمة الإنسان والأسرة والمجتمع، فالأسرة التي تنجح في بناء الثقة، وتعزيز الحوار، وغرس القيم، ستكون أكثر قدرة على إعداد جيل يواكب المستقبل بثقة ووعي.
إن شبابنا هم ثروة الوطن وأمل المستقبل، وهم بحاجة إلى أسر ترافقهم في رحلتهم، وتمنحهم الدعم والثقة، وتساعدهم على استثمار التقنية فيما ينفعهم وينفع مجتمعاتهم، فلنجعل من التكنولوجيا جسرًا للتقارب لا سببًا للتباعد، ولنتذكر دائمًا أن التكنولوجيا وُجدت لخدمة الإنسان، أما الإنسان فهو الاستثمار الحقيقي الذي لا يفقد قيمته عبر الزمن.
الوسيط مجلة إخبارية يومية