الرئيسية / فن / “ذا جاكسون” في قرطاج: جنون الإيقاع وخلود الذاكرة الفنية

“ذا جاكسون” في قرطاج: جنون الإيقاع وخلود الذاكرة الفنية

بعد ثلاثين عاماً على الزيارة الأسطورية لملك البوب مايكل جاكسون إلى تونس، وحفلته الحدث في قبة المنزه التي رفع فيها سقف الإبهار الجماهيري، وبنفس الروح التي احتفى بها الفيلم الوثائقي بمسيرته الاستثنائية، جاء الموعد مع محطة أخرى من محطات الخلود الفني، هذه المرة على ركح مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين، مع العائلة التي غيرت وجه موسيقى البوب وأعادت كتابة تاريخها: The Jacksons.
لم يكن الحفل مجرد عرض موسيقي عابر، بل كان احتفاءً بلغة تتجاوز الكلمات، لغة إيقاعها هوية، وصوتها ذاكرة جمعت بين من عايشوا البدايات ومن يكتشفون السحر لأول مرة. فالفرقة التي انطلقت من مرآب منزلهم في غاري، إنديانا، كأطفال يحلمون، استطاعت أن تظل، بعد عقود، علامة فارقة في الوجدان الجمعي، ليس لأنها قدّمت ألحاناً جميلة فحسب، بل لأن موسيقاهم صمدت كجسر بين الثقافات والأجيال، عنوانها الجنون والتجديد والتفنن في الإيقاع.
على ركح المسرح الأثري بقرطاج، قدّمت الفرقة عرضاً فرجوياً متكاملاً، تمازجت فيه الكوريغرافيا المبهرة مع الإضاءة المتقنة وفيديوهات استرجاعية تروي سيرة العائلة الفنية، منذ أيام “جاكسون 5” وصورهم بالأبيض والأسود، إلى لحظات المجد العالمي. تناغمت الحركات مع الموسيقى بتلقائية، وتفاعل الجمهور بحماس، راقصاً ومصفقاً، وكأن الزمن عاد بهم إلى سبعينات القرن الماضي، حيث كانت أغاني مثل “I Want You Back” و”ABC” نشيداً للفرح الصاخب.
وكان التفاعل الجماهيري قد بدأ قبل ساعات من رفع الستار، حيث تجمهر عشاق العائلة، خاصة من الشباب، خارج الركح لأداء رقصة مايكل الشهيرة، متوشحين بالقبعات السوداء والملونة، فيما عرضت شاشة عملاقة صوراً للأسطورة الراحل، لتتحول ساحات قرطاج إلى مساحة مفتوحة للحنين والاحتفاء بالذاكرة الجماعية.
غير أن ما ميّز هذا العرض هو كونه سردية مختلفة عن الإرادة والاستمرار. فالجسد الذي كان أولى مساحات التعبير الفني لهذه العائلة، لم يعد مجرد أداة حركية، بل تجسيداً لرفض العبودية والرقص على أنغام الحرية. صحيح أن الزمن يترك أحكامه على الجسد، لكن الفن يثبت أن الجسد ليس وزناً فيزيائياً فحسب، بل هو الفضاء الذي يكتب فيه التحرر. ورغم تقدم الأعضاء في السن، إلا أن رقصهم طيلة الحفل كان امتداداً لتلك الروح المتمردة، حيث لكل عنصر في الفرقة رقصته الخاصة، لكن الجمهور تفاعل مع الجميع، من الصغار إلى الكبار، في مشهد احتفالي موحد.
وبين أغاني الحماس، خصصت الفرقة فقرة تأبينية لأعضائها الراحلين: الأب جوزيف جاكسون، تيتو جاكسون الذي غنى على نفس الركح عام 2022، والأسطورة مايكل جاكسون. وقد قدموا أغنية “Gone Too Soon” في لحظات تأثر بها الحاضرون، مستعيدين ذكريات عائلة صنعت التاريخ وتركت بصمة في وجدان عدة أجيال.
طوال العرض، رافقت الفرقة صور وشريط فيديو قصير عن يوميات العائلة، وتحدثوا عن البدايات حين آمن جوزيف بموهبة أبنائه وشكل منهم فرقة في الستينيات، لتصبح لاحقاً “The Jackson 5″، ومن ثم “The Jacksons”، واستمرت في إشعاعها الفني رغم رحيل مايكل، الذي اختار مساراً منفرداً لكنه ظل وفياً لجذوره.
اشتهرت الفرقة بمزجها بين البوب، السول، والـ RnB، وبلغت ذروة شهرتها عبر ظهورها في برنامج إد سوليفان الشهير عامي 1969 و1970، حيث وُصفت بأنها “المجموعة المثيرة للأحاسيس”. وقدمت ألبومات خالدة مثل “ABC” و”Victory” و”Christmas Album”، التي لا تزال تباع وتُستمع إليها حتى اليوم.
في النهاية، نجح The Jacksons في مهرجان قرطاج على المستويين الفني والجماهيري، مؤكدين أن الموسيقى حين تكون صادقة، تصبح لغة مشتركة تتجاوز الحدود، تلامس القلوب وتزرع الذكريات، تماماً كما فعل مايكل جاكسون من قبل، تاركاً إرثاً يعيش في كل نغمة وكل خطوة رقص.

شاهد أيضاً

تامر حسين يكشف كواليس 20 عاماً من النجاحات مع عمرو دياب وعامر منيب ورامي صبري

حلّ الشاعر الغنائي تامر حسين ضيفًا على برنامج “On The Road” مع الإعلامي بلال العربي، …