صالح الراشد
ارتبطت الرياضة وبالذات كرة القدم بالعديد من الأمور المخالفة للأنظمة والقوانين من غسل الأموال للفساد، ووصلت الفضائح لقمتها بإبعاد رئيس الاتحاد الدولي بلاتر من منصبه، وقيام مكتب التحقيقات الأمريكي الفيدرالي بمطاردة أموال أرسلها الاتحاد الأرجنتيني للولايات المتحدة، وهو ما جعل دائرة الاسئلة تتسع حوال حجم الفساد وغسل الأموال المرتبطين بكرة القدم في شتى بلاد العالم، ويختلف حجم المبالغ المالية حسب قدرة الدول والشركات، فهناك من ينفق المليارات وأخرى بالملايين، لكن يبقى الفساد فساد مما يوجب التحقيق والمحاسبة حفاظاً على صورة كرة القدم كرياضة شعبية ساهمت في صناعة سياسيين ورموز مجتمع، وهذا أمور تتقبلها الدول لكن أن تصبح مسرحاً للفساد وغسل الأموال فهذا ما لا يرضاه أحد، ليتحرك المكتب الفيدرالي الأمريكي في حالتي بلاتر والأرجنتين.
ويمكن أن تُستغل الرياضة بشكل عام وكرة القدم على وجه التخصيص في غسل الأموال، بسبب ضخامة بعض العقود وانتقالات اللاعبين والرعايات، ومن أشهر الأساليب التي رصدتها الجهات الرقابية العالمية، شراء نادٍ رياضي بأموال غير مشروعة ثم إدخال الأموال في حسابات النادي وإظهارها كاستثمار، وإبرام عقود رعاية مُبالغ فيها بحيث تبدو الأموال كإيرادات تجارية وحصلت هذه الحالات مع نادي “يونيـاو دي ليريا” في البرتغال ونادي “ماربيا إف سي” الإسباني، وفي انتقالات اللاعبين يمكن التلاعب بقيم الصفقات أو العمولات لإخفاء تدفقات مالية غير مشروعة، كما ويتم استخدام وكلاء ومديرو أعمال كشركات وسيطة تحصل على عمولات غير مبررة من الأندية واللاعبين والمدربين، وتتلاعب بعض إدارات الأندية بحجم بيع تذاكر المباريات باستخدام شركات مرتبطة بالنادي، وفي قمة هرم الفساد تظهر المقامرة والرهانات الرياضية كادوات يتم استخدامها في غسل الأموال، خصوصًا عندما تكون حركة الأموال معقدة وعابرة للحدود.
وبرزت هذه الظواهر في العديد من الدول، ففي إسبانيا كشفت تقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون “يوروبول” عام 2020، عن استخدام انتقالات وهمية للاعبين كغطاء لتحويل الأموال من قبرص وصربيا، ثم جرى تحويل هذه الأموال إلى أصول فاخرة منها عقارات ويخوت، وهذا يعني ببساطة دخول أموال غير مشروعة تمر عبر معاملات مرتبطة بانتقالات لاعبين ثم تظهر كأموال ربحية عائدات وتنتهي بشراء أصول، كما كشفت “يوروبول” استهداف شبكة إجرامية لشراء أندية تعاني مالياً ثم يدخل أفراد الشركة كممولين ومستثمرين وبعدها يتم السيطرة على هذه الأندية عبر شركاء ومالكين صوريين يختفى خلفهم المالك الحقيقي، وبالنسبة لعقود الرعاية فمن الممكن أن تكون مجال خصب للعبث المالي وبالذات إذا كانت القيمة المالية للرعاية لا تتناسب مع القيمة الاقتصادية الحقيقية، وهذا ما ظهر في تقارير لمجموعة العمل المالي “FATF”، مما يضع الرعاية والإعلانات وحقوق الصور ضمن المجالات المعرضة لمخاطر غسل الأموال في كرة القدم، ويضاف لهذه المخاطر حقوق البث التلفزيوني في حال شراء هذه الحقوق بمبالغ مرتفعة أو منخفضة كجزء من معاملات مشبوهة.
وتركز الجهات الرقابية في تحقيقاتها لإثبات أو نفي غسيل الاموال والفساد على العديد من المؤشرات، في مقدمتها مصدر أموال المالك أو المستثمر، وهل ثروته ودخله يبرران المبلغ الذي يضخه في النادي، كما يتم البحث عن مصدر الاموال إن كانت خارجية أو داخلية، وهل هذه الأموال جاءت عبر شركات أو حسابات خارجية غير واضحة، كما تحقق الجهات الرقابية بأن المالك أو الداعم هو من يقوم بهذه الأمر بنفسه وليس واجهة لجهات أخرى، وإن كان واجهة فيجب معرفة المال الحقيقي، كما يتم مقارنة قيمة صفقات انتقال اللاعبين بقيمتهم السوقية والتقييمات الحقيقية، ويجري أيضاً التدقيق في العمولات والوسطاء والأطراف المستفيدة، وفي مجال الرعاية والإعلانات يتم مقارنة قيمة عقد الرعاية بحجم النادي وجمهوره وقيمته التجارية، وتقوم الجهات الرقابية بمراقبة التحويلات المالية المتكررة بين النادي وشركات أو حسابات في دول متعددة دون سبب تجاري واضح، وبالذات إذا كانت الأموال تمر عبر عدة شركات قبل الوصول إلى النادي، كما يتم مراجعة وتدقيق الفواتير والمصروفات للتأكد انها غير مُبالغ فيها وموثقة بشكل سليم، وفي النهاية التأكد من تطابق الحسابات.
وفي كرة قدم الأردنية يمكن فحص الاشتباه بغسل الأموال بطريقة عملية من خلال مراجعة الملف المالي للنادي، خصوصًا أن الاتحاد الأردني لكرة القدم لديه معايير مالية للترخيص وتعليمات للرقابة المالية على الأندية المحترفة، ولمزيد من الشفافية يجب فحص مصادر التمويل ومن أين جاءت أموال النادي وهل الممول شخص أم شركة؟، وهل دخلت الأموال من حساب الممول مباشرة إلى النادي؟، وهل توجد شركات وسيطة غير ضرورية؟، وفي حالات انتقالات اللاعبين يجب أن يتم مقارنة قيمة انتقال اللاعب وراتبه وعمولة وكيل اللاعب والحساب الذي
استلم الأموال، وبالتالي يصبح الاتحاد الأردني يملك معلومات شاملة بالمبالغ المستحقة للأندية من الانتقالات والمبالغ المستحقة عليها، كما على الاتحاد مراقبة عقود الرعاية للأندية ومدى تطابقها للواقع من قدرة الشركة المالية، وقدرة النادي على تقديم فوائد جماهيرية تتحول لمالية مع ضرورة البحث عن خلفية اصحاب الشركات والأشخاص ومدى قربهم من مجلس الادارة، وهذا لا يعني تلقائيًا وجود غسل أموال، لكنه يستدعي تدقيقًا أكبر خوفاً من الفساد.
آخر الكلام:
في الأردن يوجد قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 20 لسنة 2021، وتوجد وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المختصة بالإطار الوطني لمكافحة هذه الجرائم، كما يشترط الاتحاد الأردني في نظام ترخيص الأندية وجود معايير مالية وقانونية وإدارية، بهدف تحسين القدرة الاقتصادية والمالية للأندية وتعزيز شفافيتها ومصداقيتها، وبالتالي فان غسل الاموال بكرة القدم الأردنية صعب في ظل ضعف عمليات انتقال اللاعبين وانخفاض الحضور الجماهيري، فيما تملك قناة الأردن الرياضية حق البث الحصري وهي قناة مملوكة للحكومة.
الوسيط مجلة إخبارية يومية