الرئيسية / ابداعات / رمضان كريم

رمضان كريم

كتبت د : ليلي الهمامي
رمضان شهر الرحمة؛ شهر الرحمة، بمعنى شهر التازر، شهر التضامن، شهر التكافل… شهر الرحمة بمعنى التذكير وليس بمعنى انه من المفروض أن يكون لدينا موسم رحمة.
ليس من المفروض ان يكون لدينا شهر فيه نتآزر ونتزاور ونتحابب، لكن هذا الشهر يذكرنا بضرورة ذلك، هذا الشهر يذكرنا بأن لدينا واجبات اخلاقية تجاه بعضنا البعض، بأن لدينا إلتزامات تجاه بعضنا البعض؛ التزامات في التعاون والتضامن، التزامات في أن نتحابب في تلك المناسبات التي نتبادل فيها ما لذّ وطاب من الأكلات الشهية في شهر رمضان.
الأكيد ان الغاية من هذا، في تقديري، ليست غايه إستعراضية، وفي الإستعراض لدينا قطاع واسع من المجتمع والنماذج التي تسبح في كوكب العروض والتظاهر والمظاهر وما شابه ذلك. لكن الاصل في أننا نتحاور، في أننا نتناقش، في أننا نبحث شؤونا حول مائدة الإفطار، في أننا نعتني بتلك الجزئيات التي نهملها خلال أشهر السنة الواحدة…
تأخذنا الدنيا في تلك الدوامة، كما يقول نيتشة، وكأن آلة تدور في الرأس. لا ننتبه،،، لا ننتبه حتى لأنفسنا…
فجاة، يتوقف الزمن عند تلك الطقوس، عند تلك البروتوكولات الاجتماعية الرائعة في رمضان. نجالس بعضنا البعض، نتحاور، ننتبه الى من هو مريض، ننتبه الى من هو في أزمة، ننتبه الى أزمات فتن… مناكفات بغضاء تباعد بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين مكونات الامة الواحدة البلد الواحدة الدولة الواحدة.
رمضان كريم !
رمضان كريم بعيدا، كما قلت، عن الاستعراض…
رمضان كريم، بعيدا عن الجشع، بعيدا عن الرياء الرخيص…
اسمحوا لي هنا أن أطرح مسالة لطالما أرّقتني مسالة الرياء مسالة التظاهر بالايمان والورع، مسالة ما يعبر عنه بالإكثار من التقوى الزائفة، والمبالغة في التظاهر بالورع والتخلق، الذي ليس له رهان ولا غاية عدا المغالطه وكسب الصيت بصفه خبيثه.
تتداخل الحيل وتتداخل انماط الخبث مع اشكال التقوى لاعود فاقول:
رمضان كريم ! نحتاج لفتوى من اجل ان نتضامن، من اجل ان نزور المريض ساعه الافطار، وكبار السن في مساكن المسنين…
رمضان كريم ! من اجل ان ننتبه الى فقراءنا، من اجل ان نتمثل البؤساء الذين فقدوا السند، والذين فقدوا ذات اليد، والذين ادارت لهم الدنيا ضهرها…
تقاليدنا،،، تقاليدنا في ان يكون رمضان كريما ! لكن تقاليدنا هي في تلك البنى الاجتماعيه المتماسكه المتراصه المتضامنة، تلك البنى التي نجدها في الحي، في البيت التقليدي، البيت الكبير الذي يؤم الاسره العنقوديه من الحفيد الى الاب الى الجد والتفرعات التي تتبع.
تلك الاسره التي مزقتها سوسيولوجيا الراسماليه الصناعية، وقسمتها لتجعل منها ذرات تلك الذرات المتفرقه المتباعده المتنافره المتجاهلة.
رمضان كريم، في لا نعود الى تقاليدنا ومن التقاليد ما هو محمود ومن التقاليد ما هو منبوذ ومتروك ومكروه…
رمضان كريم ! بتقاليدنا المحمودة، بتقاليدنا الكريمة، بتقاليدنا اللطيفة، بالتآزر، بالتحابب.
في البيت العتيق، من الخليج الى المحيط، في بيت الاسره العربيه هنالك السقيفة وما أدراك ما السقيفة. السقيفه فضاء وسيط بين الداخل والخارج، السقيفة هي ذلك المجلس الذي حافظ عليه إخوتنا في الخليج والذي كان ولا يزال مجال علم ومعرفة وأدب ومؤانسة، والذي شكّل في تقاليدنا، الممرّ الآمن للمسكين، لليتيم، لعابر السبيل، أيام رمضان وخارج أيام رمضان… السقيفة في البيت العربي العتيق، هي ذلك الفضاء الذي يطل منه ربّ الاسرة على محيطه، وما يحيط بمحيطه، والذي فيه يؤمّ المحتاج، ويؤم المرهق، ويؤم المسكين…
وجبة إفطار في سقيفة أسره فلان… الحي هو حي فضاء حياة، لأن صلاة المغرب هي صلاة توجب الحضور الى المسجد، والمسجد في الحي والى المسجد تؤخذ الأطعمة، لمن يتذوق ومن يحتاج. نحتاج لفتوى،
نحتاج لفتوى أخلاقية توجب وتُلزم بالتضامن. نحتاج لتوبة جماعية، من أجل أن نستعيد ما في تراثنا من محطات وعناوين منيرة. ليس تراثنا ظلمات، ما دام في تاريخنا ما يدعو الى الاعتزاز، ما دام في تاريخنا ما يدعو الى الغبطة. الغبطه بما أنجزناه، وما يمكن أن ننجزه. والعودة الى الأخلاق هي العودة الى الروح الأصيلة. لا نحتاج دروسا من “لابيه بيار”… لا نحتاج من يلقننا ومن يدعونا الى “مطاعم القلب”؛ نحن أمة أوصاها نبيّها بأن تكون حريصةً على جيرانها وعلى من جاورها. نحن أمة في تقاليدنا موائد إفطار… وليس في ذلك منّة، وليس في ذلك ما يمكن أن يبرّر التعالي وما يمكن أن يبرّر عنجهية الاستقراطية الكاذبة.
علينا نستحضر هذه القيم، علينا ان نلقّن هذه القيم، علينا خلق التقاليد داخل الحي الواحد… السعادة نحقّقها داخل الحيّ الواحد… بالتآزر مهما كانت المحن سيكون وزن المحن خفيفا… تخفّ المحن والهموم والمصائب متى تآزرنا، متى تحاببنا متى تضامنا.
هذا ما يعنيني في شهر رمضان، هذا ما يعنيني بعيدا عن الزّيف، بعيدا عن التظاهر بالورع والتقوى التي هي فعل اخلاقي فاضل. كل فعل غير فاضل لا معنى ولا أصل لمن مارسه. كل فعل فيه تظاهر ورياء، كل فعل فيه إسفاف وإمعان في التعالي والنرجسية هو فعل مذموم ومدان، علينا أن نستبعده.
هذه دعوتي لأن نعود إلى تقاليدنا، هذه دعوة لأن نستحضر الاخلاق. أخلاقنا العربية والإسلامية أخلاقنا العربية أولا وأخيرا. تلك الأخلاق التي تمكّننا من أن نضمن وحدة الامة، تلك الاخلاق التي من شأنها أن تدرأ مخاطر الفتنة.
رمضان كريم، مرة أخرى، وكل مرة، سنين دائمة !!!
د. ليلى الهمامي.

شاهد أيضاً

بـ 15 أغنية.. «شبح بيشة» يلهب ليل الدمام في «جوي أرينا»

سميرة القطانشهدت مسرح «جوي أرينا» داخل المدينة العالمية بالدمام ليلةً غنائيةً، حيث أحيا الفنان «شبح …