بقلم : أم عبد الوهاب
العيش بين الطاعة والمعصية ليس حركةً أخلاقية بسيطة، ولا سلوكًا يُقاس بظاهره، بل هو تجربة وجودية تتشكّل في المسافة التي تمتد بين ضعف الإنسان ولطف الله. فكل امرئ يسير في هذا العالم حاملاً سرًّا لا يراه أحد: سرّ العلاقة بينه وبين خالقه، تلك العلاقة التي لا تُقرأ في وجهه، ولا تُقاس بخطواته، بل تُدرك فقط في أعماق لا يهبط إليها إلا ضوء الله.
لا يستطيع بشرٌ أن يحيط بحقيقة قلب، لأن القلب ليس صفحة تُقرأ بل كونٌ يُستشف. لذلك لا يحتاج الإنسان إلى شهادة الآخرين على ورعه أو صلاحه؛ فالتقوى ليست لقبًا اجتماعيًا يُمنح، بل هي تجربة ذاتية تتجاوز قدرة البشر على الفهم؛ تجربة تندرج تحت الغيب، حيث لا يملك العقل إلا أن يقف على حافة المجهول، عاجزًا عن التفسير، أعمى عن الجوهر.
الدين، في جوهره العميق، ليس مجموعة مظاهر تخضع للفرجة، ولا سلوكًا تمثيليًا يجتهد فيه البعض ليُقال إنهم أهل إيمان. إنّه انحناءة الروح أمام الحقيقة الكونية، واعتراف خفي بوجود قوة تسبق الوجود ذاته، وإخلاصٌ لا يشهده الناس بل يشهده من خلق الإنسان وخلق سره. لهذا فإن التظاهر بالديانة ليس خطأً أخلاقيًا فقط، بل هو اختزالٌ للوجود الروحي في مجرد قناع هشّ، ومحاولة لإرضاء مجتمع، دون إدراك أن الإله الذي خلق المظاهر لا ينخدع بها.
كثيرون يحاولون أن يصنعوا من الدين مشهدًا اجتماعيًا، وأن يملؤوا الفراغ الداخلي بصور منمّقة ووجوه متخشّعة. لكن الروح ليست مسرحًا، والصدق لا يختبئ خلف حركات محسوبة. إن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من أن تُقرأ بنظرة، وأكثر عمقًا من أن تُختصر في التفاصيل الخارجية. وما يبدو للناس صلاحًا قد يكون خواءً، وما يبدو خطيئة قد يكون تمهيدًا لصحوٍ روحي لا يعلم به إلا الله.
فبين الطاعة والمعصية لا يقف ميزان الإنسان ولا حكم المجتمع، بل تقف تلك النقطة الدقيقة التي يختبر فيها المرء ذاته: هل هو صادق في توجهه؟ هل يسعى نحو النور أم يلتف حول ذاته؟ وفي هذه النقطة تنكشف هشاشة الأحكام البشرية، وتظهر سعة الرحمة التي تتجاوزنا، إذ لا أحد يدرك مدى اتّساع أبواب الغفران، ولا عمق المساحة التي يتيحها الله للتوبة، ولا اللحظة التي يقرر فيها القلب أن يعود.
قد تراه طالحًا وهو أقرب إلى الله منك، وقد تراه صالحًا ولا ترى سوى ظله. فالحكم على الآخرين ليس سوى محاولة يائسة لتثبيت صورة عن الكون لا تتسع للغيب. ولذلك ظلّ التدخل في ضمائر الناس مرضًا اجتماعيًا، يغفل عن أن الدين ليس قالبًا اجتماعيًا بل بنية وجودية عميقة تنحت الإنسان من الداخل.
وحده التنزيل الكريم كشف هذا السر: أنه لا يكفي أن يستقيم ظاهر الإنسان، بل يجب أن يتناغم الباطن معه. فالكتاب لم يُنزَّل ليكون أداة تصنيف أو محاكمات جاهزة، بل ليكون خريطة للوعي، وممرًا يفضي إلى معنى الحياة. وقد فصل المنهج ووضح الطريق، لكنه ترك سرّ القلب حرًا، لأن الطريق إلى الله لا يُعبَّد بالأحكام، بل بالصدق. وفي تلك المنطقة الخفية بين الطاعة والمعصية، تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية، الرحلة التي لا يراها إلا الله، ولا يكتمل معناها إلا في حضرته.
الوسيط مجلة إخبارية يومية